رغم أنهن يشكّلن العمود الفقري للقطاع الفلاحي في تونس، تعيش النساء الريفيات العاملات في هذا المجال على هامش الحماية الاقتصادية والاجتماعية، في مفارقة صارخة بين حجم مساهمتهنّ وواقعهنّ المتردي.
تُظهر المعطيات أن النساء يمثلن ما بين 70 و80 بالمائة من اليد العاملة في القطاع الفلاحي، وهو ما يجعل هذا القطاع من أكثر المجالات اعتمادًا على عمل المرأة، خاصة في المناطق الريفية. غير أن هذا الحضور الكثيف لا يقابله تمكين اقتصادي حقيقي، بل على العكس، تتعمّق مظاهر الهشاشة يوماً بعد يوم.
من أبرز مؤشرات هذه الهشاشة ضعف التغطية الاجتماعية، حيث لا تتجاوز نسبة النساء الفلاحات المشمولات بالضمان الاجتماعي 13.2 بالمائة فقط، ما يعني أن أكثر من 86 بالمائة منهنّ يشتغلن دون أي حماية صحية أو تقاعدية. في حال المرض أو الحوادث، تجد هؤلاء النساء أنفسهنّ في مواجهة مباشرة مع الفقر، دون أي سند مؤسساتي.
ولا تقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تكشف الأرقام عن فجوة واضحة في الأجور، حيث لا تتقاضى النساء سوى نحو 69 بالمائة من أجور الرجال، رغم قيامهنّ في كثير من الأحيان بنفس الأعمال أو بأعمال أكثر مشقة. هذا التفاوت يعكس استمرار التمييز الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في القطاعات غير المنظمة.
وفي سياق أوسع، تبرز محدودية مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، إذ لا يتجاوز عدد النساء النشيطات اقتصادياً نصف عدد الرجال تقريباً، وهو ما يعمّق من ظاهرة “تأنيث الفقر” ويكرّس التفاوتات الاجتماعية بين الجنسين.
وتتجلى هشاشة أوضاع النساء الريفيات أيضًا في طبيعة العمل نفسه، الذي يتسم بالموسمية وعدم الاستقرار، حيث ترتبط فرص العمل بالمواسم الفلاحية، ما يترك فترات طويلة دون دخل. كما يعملن في ظروف قاسية، غالبًا دون وسائل نقل آمنة أو شروط عمل تحفظ كرامتهن وسلامتهن.
أمام هذه الأرقام، يبدو واضحًا أن النساء الريفيات في تونس لا يعانين فقط من الفقر، بل من منظومة كاملة من التهميش الاقتصادي والاجتماعي والقانوني. ورغم بعض المبادرات الرامية إلى تحسين أوضاعهن، فإن التحدي الحقيقي يبقى في تفعيل السياسات العمومية وتطبيق القوانين بما يضمن لهنّ عملاً لائقًا وحياة كريمة.
في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات أن النساء اللواتي يساهمن بشكل أساسي في تأمين الغذاء للبلاد، مازلن محرومات من أبسط حقوقهن، في معادلة غير عادلة تتطلب إصلاحًا عاجلًا وشاملًا.

