مع ساعات الفجر الأولى، تدبّ الحياة في منطقة البرامة من عمادة عين زريق بمعتمدية قعفور التابعة لولاية سليانة، فيهرع الأهالى لجلب الماء من عين لا تستجيب لأبسط شروط السلامة الصحية، فهي اقرب الى مستنقع مياه راكدة تملؤها الحشرات وتحيط بها الأتربة والاعشاب البرية.
تعاني المنطقة منذ سنوات طوال من التهميش وغياب أبسط مقومات العيش الكريم، فوضعها على حاله لم يتغير منذ الاستقلال وكذلك حال سكانها، منطقة لم تحظى بنصيبها من التنمية كسائر المناطق الريفية فالمرافق الأساسية منعدمة، ولا توجد بها سوى طريق وحيدة تملؤها الحفر أطرافها متاكلة وطبقتها الإسفلتية متصدعة وبات المرور منها يؤرق المتساكنين خاصة منهم التلاميذ وكبار السن والنساء الحوامل.
عزلة فرضتها الجغرافيا وكرّسها التهميش التنموي على امتداد عقود، فلا ترى سوى حقول ممتدة ومسالك ترابية وسكان يعيشون حياة صعبة بعيدا عن كل مظاهر التطور والرقمنة ووسائل التواصل، فقد باتت المنطقة في وضع الجمود ولم تلق المكاتيب التي ارسلوها وعلقوا عليها أمالهم لتغيير واقعهم، اي تفاعل من قبل الاطراف المعنية، رغم بساطة مطالبهم التى اصبحت أحلاما شبه مستحيلة.
أطفال وشباب ووكهول هبوا لإيصال صوتهم والتعبير عن معاناتهم اليومية، على أمل أن يتغير وضعهم بعد ان يئسوا من الانتظار، كانت وجوهم شاحبة تعكس معاناتهم وتعبهم وسنوات من الصبر والانتظار.
يؤكد عز الدين الوسلاتي (أحد المتساكنين) بكلّ ضيم وحسرة، ان إشكالية عدم توفر الماء الصالح للشرب متواصلة منذ سنوات خاصة وأن عين الماء التي تزود ما يقارب 500 عائلة لاتستجيب لأبسط شروط السلامة الصحية ولا تفى بحاجياتهم، وهو ما اكده عمارة العمراوي (57 سنة) الذي تحدث عن الامراض التى تسببها وضعية مياه العين الملوثة التي تزودهم وحيواناتهم، حيث تنتشر حسب قوله أمراض الكلى في صفوف عدد من المتساكنين.
ولفت الصادق الوسلاتي (62 سنة) إلى غياب أبسط متطلبات الحياة (الماء والبنية التحتية) فهم يقضون ساعات طويلة بالقرب من العين لملأ عدد من الأوعية البلاستيكية وغالبا لا يتمكنون من ذلك إما بسبب الاكتظاظ أو نقص التدفق بالعين، كما يجد التلاميذ صعوبة في الوصول الى مدارسهم نظرا لعزوف الحافلات عن نقلهم بسبب الحالة المتردية للطريق، واصفا حياتهم بالضنكة التي تضيق فيها السبل، فهم يكابدون المشقة يوما بعد يوم.
من جهته، أفاد صالح الوسلاتي (في العقد السابع من العمر) بأن الدواب تحل محل وسائل النقل نظرا لتردي الطريق الجهوية 174 الرابطة بين معتمديتي قعفور وبرقو مرورا بمنطقة البرامة، وعزوف وسائل النقل عن تأمين تنقلاتهم.
واعرب التلميذ أيسم الوسلاتي (11 سنة) عن حزنه الشديد لما يتعرض له من مواقف لا انسانية، حيث يتم منع التلاميذ من امتطاء الحافلة المخصصة للنقل المدرسي بسبب اتساخ احذيتهم بالوحل جراء الأمطار والأوحال بالطريق غير المهيئة وفق ما صرح به لصحفية “وات”، وأضاف أن الأمطار والتساقطات تحول دون تنقلهم إلى المؤسسات التربوية وايضا الى السوق مرددا القول “أمنيتي أن يتم تهيئة الطريق فقط”
وأشار ماهر الوسلاتي (سائق سيارة أجرة) إلى أن حالة الطريق تزداد سوء يوما بعد يوم في ظل تزايد الحفر، مطالبا السلط المعنية بتعجيل تهيئته أو حتى صدم الحفر، لافتا إلى إلحاقها أضرار جسيمة بالسيارات.
واعتبر نور الدين الوسلاتي (60 سنة) أن المسالك الفرعية والفلاحية هي بدورها أكبر معضلة بالمنطقة الريفية التي تحول دون قضاء شؤونهم وتعزلهم تماما في فصل الشتاء والخريف وحال تساقط الأمطار، واكد العربي الوسلاتي (من متساكني المنطقة) أن المدرسة الابتدائية ومركز الصحة الأساسية يفتقران، إلى جانب الماء الصالح للشرب، إلى الإطارات شبه الطبية داعيا السلط المعنية إلى سد الشغورات من الموارد البشرية المختصة، كما طالب بتغيير صبغة مركز تعليم الكبار المغلق منذ سنوات إلى روضة عمومية تحتضن الأطفال وتصقل مواهبهم وتحميهم من جل الآفات.
من جانبه، أفاد عضو المجلس المحلي عن عمادة عين زريق من معتمدية قعفور عبد السلام الوسلاتي، بأن المنطقة تعاني من عدة نقائص على مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية مما أثر على جودة الحياة، واضاف ان عددا من الأهالى يضطرون إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه أو قطع مسافات طويلة لتأمين حاجياتهم.
وقال أن من شان هذه الإشكاليات ان تحد من فرص الاستثمار وتنعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، داعيا إلى تمكين المتساكنين من حقهم في ظروف حياتية لائقة وعيش كريم وتهيئة المسالك الريفية بالمنطقة وتوفير ألة ماسحة، ودعا السلط الجهوية إلى الإيفاء بتعهداتها في علاقة بتزويد المنطقة بالماء الصالح للشرب .
من جهته، أكد رئيس مصلحة الصيانة واستغلال الطرقات بالإدارة الجهوية للتجهيز والإسكان علي البحري أنّ الدراسة المتعلقة بتهيئة الطريق الجهوية 174، جاهزة في انتظار توفر الاعتمادات اللازمة.
وبخصوص اشكالية التزود بالماء الصالح للشرب بالمنطقة، أوضح المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية بسليانة جمال الفرشيشي أن المصالح المعنية بصدد حفر بئر عميقة بالمنطقة لتزويد المتساكنين بالماء الصالح للشرب.
وتبقى منطقة البرامة نموذجا لمناطق ريفية مازالت تنتظر نصيبها من التنمية في وقت يواصل فيه سكانها مواجهة الصعوبات اليومية على أمل أن تشملهم المشاريع التى تعيد الحياة إلى منطقة ظلت لسنوات دون ان تشهد اي تغيير.
أميمة العرفاوي(وات)